صديق الحسيني القنوجي البخاري
55
فتح البيان في مقاصد القرآن
فإن قلت هل ثبت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الفواتح شيء يصلح للتمسك به . قلت : لا أعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكلم في شيء من معانيها بل غاية ما ثبت عنه هو مجرد عدد حروفها ، فأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وصححه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قرأ حرفا من كتاب اللّه فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف » « 1 » وله طرق عن ابن مسعود . وأخرج ابن أبي شيبة والبزار بسند ضعيف عن عوف بن مالك الأشجعي ونحوه مرفوعا . فإن قلت هل روي عن الصحابة شيء من ذلك بإسناد متصل بقائله أم ليس إلا ما تقدم من حكاية القرطبي عن ابن عباس وعلي . قلت : قد روي عن ابن مسعود أنه قال ألم حرف اشتقت من حروف اسم اللّه وعنه قال هي اسم اللّه الأعظم ، وعن ابن عباس في قوله : ألم * و حم * و ن قال اسم مقطع وعنه في فواتح السور قال هو قسم أقسمه اللّه ، وهو من أسماء اللّه . وعن الربيع بن أنس قال « ألف » مفتاح اسمه اللّه « ولام » مفتاح اسمه لطيف « وميم » مفتاح اسمه مجيد وقد روي نحو هذه التفاسير عن جماعة من التابعين ، فيهم عكرمة والشعبي والسدي وقتادة ومجاهد والحسن . فإن قلت : هل يجوز الاقتداء بأحد من الصحابة قال في تفسير شيء من هذه الفواتح قولا صح إسناده إليه . قلت : لا لما قدمنا إلا أن يعلم أنه قال ذلك عن علم أخذه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن قلت : هذا مما لا مجال للاجتهاد فيها ولا مدخل للغة العرب فلم لا يكون له حكم الرفع . قلت : تنزيل هذا منزلة المرفوع وإن قال به طائفة من أهل الأصول وغيرهم فليس مما تنشرح له صدور المنصفين ، ولا سيما إذا كان في مثل هذا المقام ، وهو التفسير لكلام اللّه سبحانه ، فإنه دخول من أعظم الخطر مما لا برهان عليه صحيح إلا مجرد قولهم إنه يبعد من الصحابي كل البعد أن يقول بمحض رأيه فيما لا مجال للاجتهاد فيه ، وليس مجرد الاستبعاد مسوغا للوقوع في خطر الوعيد الشديد . على أنه يمكن أن يذهب بعض الصحابة إلى تفسير بعض المتشابه كما تجده كثيرا في تفاسيرهم المنقولة عنهم ، وتجعل هذه الفواتح من جملة المتشابه .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ثواب القرآن باب 16 .